ركبت أول
قاطرة نقل للعودة إلى فرانكفورت
حملت
الحقيبة الثقيلة ثم نظرت إلى أعلى القطار حتى أتأكد من
أنها المقطورة الصحيحة
كنت
أشعر ببرد خفيف وراودتني قشعريرة صغيرة أثقلت كاهلي عن
حمل الحقيبة
وماهية
إلى لحظات حتى وقفت المقطورة ووفد الناس إليها كالأطياف
يريدون الدخول
حملت
الحقيبة ثانيتا ودخلت إلى القطار
نظرت
من حولي نظرة متمردة لم يعجبني شيء في هذه المقطورة
شعرت
أنني في حي شعبي في كل مكان
أطفال تريد اللعب
ومشيت بخطوات متسارعة أنظر يمينا ثم يساراً
حتى
استطعت إيجاد الغرفة الصحيحة
فأدخلت الحقيبة
ثم ارتميت بثقلي على الكريسي الطويل لكنه ليس بعريض
وأغمضت
عيني لبرهة وفتحتها أنظر إلى الغرفة من حولي كيف
هية وأني كيف وصلت إليها بعد جهد جهيد
ثم
وقفت وخلعت المعطف الطويل ورميته على
الكرسي من خلفي
وأخرجت
علبة سجائري وفتحتها وأخرجت منها سيجارة وقمت بإشعالها
ووضعت قبعتي على رأسي ووقفت بجانب النافذة...
يال
هذه الحياة الغريبة لم
أعلم مدى قساوتها وأني سأشرب كأس اللؤم وأشبع من أكل الألم
لقد
أخذتني الأيام والسنين الماضية في رحلة بعيدة وطويلة جدا
عرفت
ماهي الحياة وكيف أني أعيش
بها..تذكرت أمي...أمي التي لم تكن أما في حياتها
وأبي
الذي لم أره مطلقا ولا
أعلم عنه شيئا
تذكرت
أخوتي الذين أصبحو من رواد الشوارع من أشهر لصوص
المدينة وأكثرهم إجراماً، تلاحقهم الشرطة في كل مكان وكل زاوية من المدينة، يسجنون ثم يخرجون فيسرقون ليسجنوا من جديد
أما
أنا فأصبحت بارعة في التزوير أمارس كل أساليب
الخداع والإحتيال
وقد
هربت باسمي الوهمي وبطاقتي المزيفة لأجل الهرب من هذه
المدينة التي أعمتني عن رؤية الحقيقة
وفجأة
بدأ القطار بالمسير وأصوات محركاته
العالية..وقرقعة السكة الحديدية الباردة..
نظرت كالصقر من خلفي دون أن احرّك رأسي للوراء استرق النظر لمن يأتي أو يذهب
خِفت أن يكتشف أحدٌ حقيقتي فلربما في وقتها لن أبقى في هذه المدينة لحظة واحدة
....: هذه
هي مارلين
إنها
شخصية متمردة قوية
وقاسية..عنيفة كالرجال..ورقيقة كالنساء..جسدها كلوحة فنان قد رسمها في أيام شبابه...قوية على قدر رقتها..وشرسة
ومسالمة في وقت واحد.
لقد
ظننت أن السعادة هي بالكذب
ظننت
أن الحياة تكون بالحب والمال والترحال
لكنني
لم أرسم لكل هذه السعادة
نهاية بل فتحت لها أبوابا وأبواب نحو الهاوية
والآن
لا أستطيع إغلاقها ووضعت يدها على جبينها متذمّرة في صمت شديد
أشعر
أني في ورطة حقيقية..كم أشتاق لان أشعر بالأمان والإستقرار
كم أشتاق إلى الحبيب الذي هجرني ظلما لأجل شيء لم
أفعله
كم
أحن إلى كلمة أمي الحقيقية
لا
الكاذبة
أود
أن أشعر بأني إبنة لوالدين صالحين
فقاطعها بالتفكير موظف التذاكر..التذكرة لو سمحتي!
فتوجهت
إلى المعطف وأخرجت التذكرة وأعطيته إياها
ولكنه
كان يحدق بي كالأبله
سألته
ما بك؟!!...فقال لي هل أنتِ مارلين ؟
فارتجفت
يداي وصعقت من السؤال
وتلعثمت
وقلت له لا لماذا تسأل؟!
فقال
لي أريد أن أرى بطاقتك.
فأخرجت
له البطاقة المزورة المكتوب عليها إسم جانيت والدنسن وقلت له لابد أنني أشبه ابنتك فضحك كثيرا ثم قال
انا
لست متزوجا..
وخرج
تاركا وراءه الرعب والخوف في نفسي وتنقست الصعداء ..! اووووف
ثم
مشيت إلى النافذة وجلست
بجانبها وبقيت أنظر منها كالأطفال
أنظر
إلى السهول والتلال الجذابة وأتأمل
السماء العالية
والغيوم
البيضاء الناصعة يرقص حولها الطيور أشعر أنني لا
أسمع شيئا سوى صوتي
أقرأ
دفاتر صمتي لم أعد أسمع صوت القطار بل أسمع أصوات
المدينة
..............
ماااارلييييييييييييين...أين أنتي؟؟!!
.........
هناك
متجر جديد في الساحة الغربية لنذهب إليه...
........
أمي
لماذا تبكين يال هذه الحياة لقد مللت..
.......
ماااارليييييييييين
أحبك...
........
الذكريات
تتابعة في عقلها
........
ثم
أخذت مارلين تبكي..لقد اشتقت لك يا مارسيل..
وعاد
صوت القطار من جديد يعلو
وكأنني أسمعه لأول مرة كم هو مزعج
فخرجت من الغرفة ونظرت إلى الممر
الطويل الخالي
أين
ذهب الأطفال ... أين الركاب والأمهات .... أين ذهبو
ثم
دخلت إلى الغرفة مرة أخرى وأغلقت الباب واتكأت عليه بظهرها رافعة رأسها إلى الأعلى لا تدري ماذا أفعل الآن
لقد
مللت!!
ثم
تمددت على الأريكة وأخذت تتذكر أحداث حياتها كيف بدأت
ومتى
بدأ الخطأ
أذكر
أنني كنت في ذلك اليوم حزينة..لقد تشاجر والداي ولم أعد
أعلم ما الحل في نظرهما
أظن
أنهما سينفصلان..
أخذت
امشي وامشي بلا توقف وكان
الظلام حالكا والمصابيح مضائة في وسط الشارع لم يفكر أبي بالبحث
عني .. أين أنا لا أستطيع تحديد المكان يا إلهي لقد تهت..ثم هرولت إلى مدخل صغير بين المباني
حتى أختبء من شخص ضخم كان متجها نحوي..إتكأت بظهري
على الحائط وأنفاسي المتسارعة الخائفة..إنو اللص جورج المشهور..يا إلهي..ووضعت يدي على فمي حتى لا يعلو
صوت بكائي الصامت..
دموعها التني تنساب كالشلال على
وجنتيها.كانت تبلغ من العمر خمس عشرة سنة..وقالت
هذا
اللص مشهور بعمليات
الاختطاف..وصوت أنفاسها يعلو مع تقارب خطى جورج نحوها حتى....
ألا تريدين أن تسلمي على عمك جورج يافتاه؟!! هيا
أخرجي وقفي أمامي كم أنتي جميلة..فخرجت وانا أرتجف
خوفا..فوضع يده على وجنتي ومسح دموعي..فهدأت أحسست انه يريد أن يشعرني بالأمان الذي افتقدته خمس عشرة سنة..فتجمدت
مكاني لا أعلم ما الذي سيحدث الآن
حتى قال:
تعالي
معي سأجعلك أجمل إمرأة عرفها التاريخ..سأعلمك ما هي الحياة وكيف ستحاربين العالم..سأعلمك كيف تكسبين المال
الطائل من دون أدنى تعب يذكر..سأجعلك تعيشين
حياتا مرفهة..صدقته..ومشيت وانا أحدث نفسي لماذا يخافه الناس لماذا يظنونه مخادع؟!!
وأسئلة كثيرة لم أعرف إجابة لها إلى
في هذه الحظة..
آه
كم أنت نذل ياجورج..
علمني
كيف أكون سارقة محترفة
علمني
كيف أكون سائقة جماهير فاقلة..أستخدم جميع
وسائل الإغراء والتعري..والأساليب القذرة لكسب المال
علمني كيف أخدع العالم بشخصية لا أنتمي إليها..
أنتحل
الشخصيات وأختفي كالخيال من دون أثر
علمني
جميع وسائل الهرب من الشرطة والأمن وكيف أتبع أسلوبا من المستحيل أن يعرفوني
وانا أمام أعينهم
وفي
النهاية جعلني مجرمة هاربة من وجه العدالة .. نعم أغراني
بالمال والنفوذ حتى أقتل...
وها
أنا هنا من جديد وقد هربت بنفس الأسلوب المعتاد
سأظل
إلى الأبد الإنسانة الأسطورة التي لا يعرفها أحد
وعندما
كبرت أردت أن أستقيل من
حياة العنف والخداع أردت الحب والأمان
فأحببت
ولكن لما الإسراع وأنا أعلم
انني لا أستحقه
نعم
لقد تركني بعد أن علم حقيقتي التي لم أكن السبب
فيها
وخسرت
كل شيء
أما
الآن فانا جانيت
وقد
رحلت وتركت فرانكفورت كلها للذكريات
القديمة
تركتها
بكل الدموع التي ذرفتها فيها
تركت
كل الضحكات التي ضحكتها
فيها..وكل ابتسامة كاذبة قد ابتسمتها
تكرت
فيها كل خطوات قد مشيتها في شوارع فرانكفورت
كل
لحظات الحنين التي عشتها بين الشمس وتحت المطر
كل الآلام التي شربتها في كل بيت وكل حي وكل
حديقة
لقد
رحلت ياجورج ولن أعود أبدا
وداعا
مارسيل أكتبني في دفاترك ميتة فانا لن اعود أبدا
لقد
ماتت مارلين في نظري والآن انا
لست هية
وداعا
فرانكفورت لقد عشت فيكي أسوأ أيامي وأجمل ذكرياتي
أكتبيني
أسطورة في تاريخ البلاد إلى ما لا نهاية
وداعا
إلى الأبد
وإذا بصوت أقدام ركض رجال الأمن داخل المقطورة
تجمدت مارلين في مكانها وهي تسمعهم يقتربون من مقطورتها وكأنهم عرفوا حقيقتها ويريدون القبض عليها
فاخذت تجمع حقيبتها واغراضها القليلة محاولة الهرب
في حين ان رجال الشرطة داخل المقطورة تجاوزوا مقطورتها متجهين نحو المقطورة التي بجانبها للقبض على لص آخر يسرق الحقائب من النساء في الطريق وقبض عليه وهو يحمل أكثر من ألفي دولار مسروقة من احدى السيدات الموجودات داخل المقطورة
تحياتي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
أضف تعليق